القاضي التنوخي

114

الفرج بعد الشدة

وثالثها : مثل يضرب لمن يتحايل بحيلة مكشوفة ، فيقولون : إحنا دافنيه سوا ، وأصل المثل : إنّ بغدادييّن تعطّلا ، وحاولا أن يجدا عملا ، فلم يوفّقا ، ثم وجدا حمارا نافقا ، فأخذاه ، ودفناه ، ووضعا على قبره شاهدا ، وأدّعيا إنّه قبر ولي من أولياء اللّه ، وأصبح أحدهما سادنا للقبر ، والثاني واعظا وإماما للجماعة فيه ، وظلّا على ذلك حينا ، ثم أحسّ أحدهما أنّ صاحبه يغتال قسما من الواردات ، ويستأثر بها ، فخاصمه ، فبادر صاحبه وضرب بيده على القبر ، يحلف على براءته من التهمة ، فصاح به صاحبه : ويحك ، إحنا دافنيه سوا . وللبغداديّين نوادر ، فيها ذكر للحمار ، يتندّرون بها ، أذكر منها نادرتين : الأولى : نادرة يتندّر بها البغداديون على أهل الموصل ، والمعروف عن أهل الموصل تعصّبهم لبعضهم ، بحيث لا يتسنّى للغريب أن يجد فيها رزقا ، وخلاصتها : أنّ سقّاء بغداديّا هاجر إلى الموصل ، واستقرّ فيها ، وأراد أن يمارس فيها مهته ، فاشترى حمارا وقربة ، وباشر بحمل الماء من النهر إلى المدينة ، وفي اليوم الأول لم يتعامل معه أحد ، وكذلك في اليوم الثاني ، وجاع السقّاء ، وجاع حماره ، فأخذه في اليوم الثالث ، وذهب إلى سوق المدينة ، وقال : يا جماعة ، إنّ حرمانكم إيّاي من الرزق أمر مفهوم ، لأنّي بغداديّ ، ولكنّ هذا الحمار موصلي ، وهو يكاد يموت جوعا ، فإن لم ترفقوا بي ، فارفقوا به . والثانية : نادرة يتندّر بها البغداديّون على أحد القضاة ، وخلاصتها : أنّ اثنين اختصما على حمار ، كلّ واحد منهما يدّعي ملكيته ، وتداعيا عند القاضي ، وقدّم المدعي للقاضي عشرة مجيديّات رشوة ، وبلغ المدعى عليه ما صنعه خصمه ، فذهب إلى القاضي وأعطاه عشرة مجيديّات أيضا ، ونظر القاضي في الدعوى ، وأراد أن يرضي الطرفين ، فحكم بأن يباع الحمار ويقسم ثمنه بين المتداعيين ، وبيع الحمار بعشرين مجيديّا ، وتسلّم كل واحد من المتداعيين عشرة مجيديّات ، فتوجّها إلى القاضي ، وقالا له : يا أفندينا ، تبيّن أنّ الحمار لا يعود لواحد منّا ، وإنّما يعود لك ، لأنّك استوفيت ثمنه كاملا . ودخل أحمد بن محمّد القزويني إلى سوق النخّاسين في الكوفة ، وطلب حمارا ، لا بالصغير المحتقر ، ولا بالكبير المشتهر ، إن أقللت علفه صبر ، وإن أكثرت علفه شكر ، لا يدخل تحت البواري ، ولا يزاحم براكبه السواري ، إذا خلا الطريق تدفّق ، وإذا كثر الزحام ترفّق ، فقال النخّاس : أصبر حتى يمسخ القاضي حمارا ، وأشتريه لك ، ( أخبار الحمقى والمغفّلين ص 126 ) .